,

” نَـــقْـــدُ الـــنَـــقْـــد ” بقلم : عبد الحكيم طية






للحداد مطرقة, للنجار منشار, للطبيب سماعة, للمهندس قلم و مسطرة وللفنان التشكيلي عين ثاقبة. لكل أدواته و أساليبه…أما آنت أيها (الناقد) كثيرا ما أرهقت تفكيري. فيما تستند عليه في تقييمك للأعمال الفنية و الأدبية, ففضلت البحث عنك كي لا تضطرني للبحث عنك مرة أخرى. وأنا في سبيل ضالتي صادفتني صداقة عمر بإحدى المقاهي المطلة على البحر الغير المسمى لا يهم مادمت سأعرف الجواب. فبعد واجب الغياب اول ما سألت عنه :
ما النقد يا رفيقي ؟
- في تعريف لسان العرب النقد يعني تمييز الدراهم و إخراج الزيف منها وانتقد الدراهم اي اخرج المزيف منها و أبقى الصحيحة .
ما إن انتهى من الكلام حتى ظهرت انا بالسؤال من جديد :
- لكن كيف انتقلت الكلمة من سياقها الأصلي هذا إلى المجال الأدبي و الفني ؟
في ابتسامة ساخرة تلمح إلى جهلي بأمور تبدو له من البديهيات قال:
- من أوائل النصوص التي تضمنت هذه الكلمة نص ل”ابن سلام الجمحي” في كتابه “طبقات فحول الشعراء” يقول: “…ومن ذلك الجهبدة بالدينار و الدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا لمس وطراز ولا رسم ولا صفة ويعرفه الناقد من المعاينة فيعرف بهرجها وزائفها”.
في دهشت مني عجبت لغزارة علمه وسعة أسلوبه, أحرجت أن أساله من جديد, وأنا لم افهم بعد. لكن نباهته كانت الأسبق ليدرك آني كذلك محرج فاسترسل قائلا:
- كان المصطلح آنذاك يستعمله القدامى للتمييز بين جيد الشعر من رذيئه حتى وصلنا على ما هو عليه, حيث يٌعنى بدراسة الأعمال سواء منها الفنية آو الأدبية. فالناقد يعمل على تفسيرها و تحليلها وموازنتها لبيان درجتها و قيمتها.
- هذا يعني آن هناك معايير و ضوابط يفترض التمكن منها حتى نمارس النقد، اليس كذلك؟
مبتسما من جديد بنظرته الساخرة
- …نعم, هناك نوعان من النقد: النقد التأثري وهو يصدر عن تأثر صاحبه بالانطباعات الأولية و الانفعالات و الأهواء الشخصية المتحيزة, وغالبا هذا النقد تغيب فيه الدراسة المعمقة و الدقيقة والانضباط للضوابط و المعايير وتغلب عليه ذاتية الناقد فتكون أحكامه غير معللة ما يجعله غير قادر على إثبات الدوافع والأسباب التي جعلته يقول بهذا أو ذاك القول, وهناك من يصفه بالنقد الهدام بكل بساطة لأنه لا يساهم في الدفع بالعجلة الإنتاجية والإبداعية إلى الأمام.
- حديثك عن النقد هكذا بدأ يريبني ويدخل الشك إلي في فائدته. ما معنى آن يكون النقد بهذا الشكل بلا فائدة ؟
رده هذه المرة لم يمل إلى لغة الجسد لربما لامس الجدية في أسئلتي فقال:
- اسمع، أنا تعمدت إدخالك إلى مستنقع النقد الهدام الموحل حتى أرى و أجٌسَ نواياك تم انتشلك من الطالح الذي أنت مسكون به، إلى الصالح الذي لا مناص منه شئت أم أبيت. فهناك نوع أخر من النقد يسمى النقد البناء وهو النقد الذي يصدر عن دراسة وتمحيص, ويلتزم الناقد فيه منهجا معينا, ويطبق القواعد التي أتفق عليها عدد من النقاد. ولا يستسلم لميولاته الخاصة , ولا يتحيز ويدعم أحكامه الذاتية بالحجج والبراهين الباطلة والمغلطة. و يكون النقد البناء بناءا وفق ما فصلنا فيه القول ليبلغ سديد الحكم وخالص المعنى. افهم يا رفيقي ان مشاغل الحياة و ملذاتها الهتك عن الكتاب و القراءة
عبارته الأخيرة هاته كما لو صفعتني بيد من حديد, لا على خدي بل على حظي و طريقة تفكيري وإهمالي لنفسي حتى صرت اسأل عما تيسر من العلم، يبدو أني كنت مغيبا غياب الجهلة و الضالين. يفترض أن أعيد النظر في كل شيء فلا شيء ثابت ما لم أحاصره بالعلم فالقرارات الصحيحة تؤخد بالمعلومات الكافية. وأنا غارق في حديثي الداخلي باغتني بالسؤال هذه المرة :
- هي.. أنت، ما بك؟ تبدو لي شاردا ألهذه الدرجة النقد محير بالنسبة لك؟
- لا لا ابدا, فقط كنت أفكر في الأسس التي يستند إليها النقاد في تقييم أي عمل أدبي وفني. أهي محددة بشكل دقيق؟ أم أنها تختلف حسب المجالات، أي لكل مجال خصوصيته؟
إسمع جيدااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا على من يريد النقد أن يكون ملما بالموضوع الذي يريد أن يبدي وجهة نظره فيه وان يكون على دراية بملابسات الموضوع وأساسياته, و أن يكون الهدف من النقد البناء لا الهدم كما أسلفت, فالنقد الهادف البناء هو الذي يهدف إلى معالجة نقاط الضعف والإرشاد إلى نقاط القوة ومحاولة التطوير للأفضل. الابتعاد عن الشخصنة من أساسيات النقد, هذا الأخير لابد أن يكون نقد عمل أو فكرة وليس نقد شخص، ولابد أن يختار الناقد الوقت و المكان المناسبين لطرح النقد على موضوع ما, فلكل مقام مقال. النقد الهدام دائما يحمل نظرة تشاؤمية ويكون هدفه غالبا انتصار الذات وجلد ذات الأخر. اهتمامك بالموضوع غير عادي يا صديقي, ما الذي يشغلك؟ لما أنت مهتم لهذه الدرجة؟ سؤالك و إلحاحك على معرفة النقد و حيثياته يبدو كما لو انك مشتغل بالمجال.
- لالالا أبدا, انا فقط أسأل من باب الفضول و امتلاك المعرفة لا غير
- هههه موضوعك هذا شغلني عن سؤالك بخصوص تفاصيل حياتك الخاصة، أتزوجت؟ أم لازلت تداعب الحياة على طريقتك
- ههههه نعم, لازلت أداعبها على طريقتي, لكن أظن أن لطريقتي مساوئ لم أدركها(…)
في حوار داخلي قض مضجعي لحظتها أدركت أني غَلّبْتُ النفس على العقل, أهملت كياني الفكري واتبعت ملذات الحياة و شهواتها و ماذا بعد أنا محرج في نقاش بسيط, مع من؟ مع من كنت دليله في سالف الأيام يا لحقارتي. فاجئني بالسؤال من جديد.
- ماذا بك لم لم تتمم حديثك؟ و ما قصة هذا الشرود؟
- قل لي أنت، ما عملك؟
- أنا, اعمل أستاذا بمدينة الدار البيضاء بدون أجر وما يعطني إياه تلاميذي مقابل دروسي هو المحبة لا غير. و أنت؟
آه ما أغباني لم يكن يجدر بي أن أسأله
- أنا أنا تاتاتا تاجر…
- يبدو أن الخروج من الدار كان هو الأصح والأجدر بي .
بقلم : عبد الحكيم طية

إرسال تعليق


من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو ، والابتعاد عن التحريض العنصري و الشتائم، مع عدم ذكر الأسماء أو الصفات داخل محتوى التعاليق.